نبذه عن مساهامات العلماء المسلمون في علم الفيزياء

شأن كل العلوم التي تتقدم وتتطور ,ومع تعاقب الأمم والحضارات ,قامت العلوم الطبيعية عند المسلمين في بدئها على مؤلفات اليونان ,تلك التي استند فيها اليونانيون إلى الفلسفة المجردة في محاولاتهم فهم الطبيعة ,ودون أن يكون للتجربة دور يذكر في تلك المحاولات, غير أن العلماء المسلمين ما لبثوا أن طوروا هذا الأساس وخاضوا غمار علم الفيزياء ببراعة وذكاء منقطعي النظير ,حتى لكأنهم أنشئوا علما جديدا وذلك حين جعلوا علم الفيزياء علما يستند إلى التجربة والاستقراء, عوضا عن الاعتماد على الفلسفة أو التأملات والأفكار المجردة.

فكان من جراء ذلك أنهم استنتجوا نظريات جديدة وبحوثا مبتكرة, مثل قوانين الحركة والقوانين المائية وقانون الجاذبية الأرضية كما بحثوا في الوزن النوعي للمعادن والسوائل ,واستطاعوا قياس الوزن النوعي للسوائل ,والذي يعد في هذا العصر بما فيه من وسائل متطورة أمر عسيراً.

وقد اتكأ المسلمون في البدء على كتب السابقين مثل كتاب (الطبيعة) لارسطوطاليس الذي تحدث فيه عن علم الحركة وكذلك مؤلفات أرشميدس التي تحوي معلومات عن الأجسام الطافية في الماء والوزن النوعي في بعض المواد ومصنفات اكتسبيوس التي تتضمن نتائج علمية عن المضخة الرافعة والساعات المائية وكذلك هيرون السكندري الذي تحدث عن البكرة والعجلة وقانون الشغل. ثم ما لبس العلماء المسلمون أن طوروا نظريات وأفكار السابقين الفيزيائية, واستطاعوا أن يخرجوها من طور النظرية المجردة في طور التجربة العملية والتي هي عماد هذا العلم.

فبحث العلماء المسلمون في علم الصوت وفي منشئه وكيفية انتقاله, فكانوا أول من عرف أن الأصوات تنشأ عن حركة الأجسام المحدثة لها ,وانتقالها في الهواء على هيئة موجات تنتشر على شكل كروي ,وهم أول من قسم الأصوات إلى أنواع وعللوا سبب اختلافها عن الحيوانات باختلاف طول أعناقها وسعة حلاقيمها وتركيب حناجرها, وكانوا أول من علل الصدي وقالوا إنه يحدث عن انعكاس الهواء المتموج من مصادفة عال كجبل أو حائط, ويمكن أن لا يقع الحس بالإنعكاس لقرب المساحة فلا يحسن بتفاوت زماني الصوت وانعكاسه.

وفي علم السوائل الف العلماء المسلمون فصولا متخصصة في كيفية حساب الوزن النوعي لها إذ ابتدعوا طرقا عديدة لاستخراجه ,وتوصلوا إلى معرفة كثافة بعض العناصر وكان حسابهم دقيقا ومطابقا أحيانا لما هو عليه الآن أو مختلفا عنه بفارق يسير.

وكان من علماء المسلمين الذين اشتهروا بالفيزياء أبو الريحان البيروني وهو الذي "عين الكثافة النوعية لثمانية عشر نوعا من أنواع الحجارة الكريمة, ووضع القاعدة التي تنص علي أن الكثافة النوعية للجسم تتناسب مع حجم الماء الذي يزيحه وشرح أسباب خروج الماء من العيون الطبيعية والآبار الإرتوازية بنظرية الأواني المستطرقة".

وقد أبدع الخازني في حقل الفيزياء أيما إبداع, وخاصة موضوعي الحركة (الديناميكا) وعلم السوائل الساكنة (الهيدروستاتيكا) لدرجة أدهشت الباحثين الذين أتوا بعده, ولا تزال نظرياته تدرس في حقل الحركية في المدارس والجامعات إلى يومنا هذا, ومن هذه النظريات نظرية الميل والانحدار ونظرية الاندفاع وهاتان النظريتان أدتا دورا مهما في علم الحركية, ويعتبر الكثير من المؤرخين في تاريخ العلوم الخازني أستاذ الفيزياء في جميع العصور وقد خصص الخازني جل وقته لدراسة موضوع السوائل الساكنة فاخترع آلة لمعرفة الوزن النوعي للسوائل وناقش ضمن دراستي موضوع المقاومة التي يعانيها الجسم من أسفل إلى أعلى عندما يغمر في سائل, واستخدم الخازني نفس الجهاز الذي استخدمه أستاذه الكبير أبو الريحان البيروني في تعيين الثقل النوعي لبعض المواد الصلبة والسائلة ووصل الخازني في مقاديره إلى درجة عظيمة من الدقة لفت انتباه معاصريه ومن تبعهم.

وقد ناقش روبرت هول في مقالة عن الخازني في قاموس الشخصيات البارزة في العلوم كيفية إيجاد الخازني لكثافة الأجسام الصلبة والسائلة واختراعه ميزانا لوزن الأجسام في الهواء والماء له خمس كفات تتحرك إحداها على زراع مدرب, ويقول كل من حميد نوراني وعبد الحليم منتصر في كتابهما (قراءات في تاريخ العلوم عند العرب لقد سبق الخازني تورشيللي في الإشارة إلى مادة الهواء ووزنه وأشار إلى أن للهواء وزنا وقوة رافعة كالسوائل وأن وزن الجسم المغمور في الهواء ينقص عن وزنه الحقيقي وأن مقدار ما ينقصه من الوزن يتوقف على كثافة الهواء وبين إن قاعدة أرشميدس لا تسري فقط على السوائل ولكن تسري أيضا على الغازات وكانت مثل هذه الدراسات هي التي مهدت الاختراع البارومتر ميزان الضغط مفرغات الهواء والمضخات وما أشبه وبهذا يكون الخازن قد سبق تورشيللي وباسكال وبوبل وغيرهم.

وغير ما سبق وإذا ما عددنا قوانين الحركة والجاذبية من بحوث علم فيزياء فإن لعلماء المسلمين الفضل في اكتشاف هذه القوانين.

المصدر

كتاب "ماذا قدم المسلمون الي العالم", د. راغب السرجاني


تفاعل مع الصفحة

تفاعل مع الصفحة